محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

142

الإنجاد في أبواب الجهاد

لا يطلب رِبْحاً ؛ إلا بعد إحراز رأس ماله » . وكتب أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إلى عمرو بن العاص : « أما بعد ، فقد جاءني كتابك ، يذكر ما جَمَعت الروم من الجموع ، وإنَّ الله - عز وجل - لم ينصرنا مع نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكثرة عددٍ ، ولا بكثرة خيلٍ ، ولا سلاح ، ولقد كُنّا ببدر ، وما معنَا إلا فرسَان ، وإنْ نحن إلا نتعاقب الإبل ، وكنا يوم أحدٍ ، وما معنا إلا فرسٌ واحد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركبه ، ولقد كان الله - عزَّ وجل - يُظْهِرُنا ، ويُعِينُنَا على من خالَفَنا ، فاعلم يا عمرو ، أنَّ أطوعَ الناسِ لله - عز وجل - أشدُّهم بغضاً للمعصية ، ومن خاف الله - عز وجل - ورَّعه خوفه عن كل ما فيه معصية ، فأطِع الله - تعالى - ، وأْمُرْ أصحابك بطاعته ؛ فإن المغبون من حُرِمَ طاعة الله - تعالى - ، واحذر على أصحابك البياتَ ، وإذا نزلت منزلاً فاستعمل على أصحابك أهل الجَلَدِ والقوة ؛ ليكونوا هم الذين يحرسونهم ويحفظونهم ، وقدِّم أمامك الطلائع ، حتى يأتوا بالخبر ، وشاور أهل الرأي والتجربة ، ولا تستبدَّ برأيك دونهم ، فإن في ذلك احتقاراً للناس ، ومَغْضَبَةً لهم ، فقد رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه في الحرب ، وإيّاك والاستهانة بأهل الفضل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد عرفتَ وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار عند موته حين قال : « أحسنوا إلى محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » ( 1 ) ، فقرِّبهم منك وأَدْنِهِمْ ، واستشرهم ، وأَشْرِكْهم في أمرك ،

--> = ذكر الجاحظ في « البيان والتبيين » ( 2 / 268 ) ، وابن قتيبة في « عيون الأخبار » ( 1 / 188 ) ، والقلعي في « تهذيب الرياسة » ( ص 240 ) ، أنه قال في وصية له لقائدٍ في مُقدّم جيش مضى إلى بلاد الروم : « إنك تاجر الله لعباده . فكن كالمضارب الكيّس ، إن رأيت ربحاً لا يُشكّ فيه اتّجرت ، وإلا احتفظت برأس المال ، لا تطلبْ الغنيمة حتى تحرز السلامة » . ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » ) ( رقم 3799 و 3800 و 3801 ) بأطول من هذا . وأخرجه في كتاب الجمعة ( باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أمَّا بعد ) ( رقم 927 ) . وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ( باب من فضائل الأنصار - رضي الله عنهم - ) ( رقم 2510 ) .